الشيخ أبو الفيض الناكوري

مقدمة 23

سواطع الالهام في تفسير كلام الملك العلام

ولا شك أن هذين الاتجاهين قد يلتقيان في بعض الأحيان ، وأن الفصل بينهما ليس حدّيا على مستوى الواقع العملي ، والممارسة التأريخية لعملية التفسير . ذلك لأن الاتجاه الموضوعي بحاجة طبعا إلى تحديد المدلولات التجزيئية في الآيات التي يراد بها التعامل معها ضمن اطار الموضوع الذي يتبناه . كما أن الاتجاه التجزيئي قد يعثر في أثناء الطريق بحقيقة قرآنية من حقائق الحياة الأخرى . ومع هذا كله ، فإن فوارقا أساسية تبدو بين القسمين ، ويمكن إيجازها بالآتي : 1 - إن المفسّر التجزيئي دوره في التفسير - على الأغلب - سلبي ، فهو يبدأ أولا بتناول النص القرآني المحدد آية - مثلا - أو مقطعا قرآنيا دون أي افتراضات أو طروحات مسبّقة ، ويحاول أن يحدّد المدلول القرآني على ضوء ما يسعفه به اللفظ ، مع ما يتخلله من القرائن المتصلة أو المنفصلة . وتكون العملية هذه في طابعها العام عملية تفسير نص معين ، وكأن دور النص فيها دور المتحدّث ، ودور المفسّر هو الإصغاء والتفهّم ، وهذا ما يسمّى ب « الدور السلبي » . والقرآن - في هذه الحالة - يعطي ، وبقدر ما يفهم المفسّر من مدلول اللفظ يسجل في تفسيره . أما المفسّر الموضوعي : فإنه لا يبدأ عمله من النص بل من واقع الحياة ، فهو يركّز نظره في موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية ، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل ، وما قدّمه الفكر الإنساني من حلول ، وما طرحه التطبيق التأريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ ، ثم يأخذ النصّ القرآني ، لا ليتّخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجّل فحسب ، بل يكون دوره دور المحاور مع القرآن ، ليكتشف من خلال ذلك موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح ، والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النص ، من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع من أفكار واتجاهات .